أحمد بن محمد ابن عربشاه

189

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

مهاوى الأهواء والحرب بيننا وبينهم سجال « 1 » ، فلو كاشفناهم بسوء الفعال انكشف لهم زيف نقدنا وبطل ما كنا نسوّ له بجهدنا ، فإذا ظهر الحق من الباطل وتميز الحالي من العاطل ؛ أخذوا حذرهم وضبطوا أمرهم وداروا بالعداوة ومروا بالملوحة بعد الحلاوة ، ثم ظفرنا بهم موهوم ، ونصرنا عليهم غير معلوم ، فما نظفر إلا بالندامة ونرضى إذ ذاك بغنيمة السلامة ، ويستمر هذا العار علينا إلى يوم القيامة وقد قيل : لا تسع في الأمر حتّى تستعد له * سعى بلا عدّة قوس بلا وتر فعند ذلك استشاط العفريت غضبا ، وطار شرارا لهذا الاشتعال ولهبا ، وقال : لقد عظمتم من شأن الإنسان وأوهنتم بل أهنتم جانب إخوانكم الجان ، وضيعتم حقوق الإخوان ، وأبطلتم حكاية السعالى والغيلان ، ونسيتم فتن جدكم الأعلى الباقية ممر الزمان ، ونحن أدق حيلة وأجل جماعة وقبيلة ، وأوسع ذكرا ، وأسرع مكرا ، وأقدم وجودا ، وأعظم جنودا وأغزر علما وإدراكا وفهما ، ولا أرى لكم همة صادقة ولا عزيمة موافقة ، وأنا ما قلت لكم ما تقدم من القول إلا لأخبر ما في فرائض علمكم من الرد والعول ، فلا أقوالكم سديدة ولا أفعالكم رشيدة ، ولقد حل بكم الصغار وسطا بكم من الإنس الصغار ، وأما أنا فلا بد لي من المباحثة والمناقشة والمنابثة « 2 » والإلقاء للمسائل والأبحاث في الرسائل من غير وسائط ولا وسائل ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ، فاعلموا ذلك وتحققوه ، ثم أمعنوا النظر فيه ودققوه وهذا هو الرأي الذي صممت عليه ، فليتوجه كل منكم بقلبه وقالبه إليه ، ويقل في ذلك غثه وثمينه ويلق هجان قوله وهجينه ، ولا يدخر شيئا من آرائه ، فلا بد لي من إلقائه .

--> ( 1 ) أي حرب يتبادل فيها الهزيمة والنصر بين كلا الطرفين . ( 2 ) أي طرح الشئ أمامك أو وراءك .